الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
414
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
القبيلة والعائلة هما الشجرة الوحيدة التي تنبت في الصحراء ، ولن يستطيع أحد الحياة دون اللجوء إليها ، إلا أن محمدا ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قد قلع هذه الشجرة التي نمت بلحم ودم عائلته ، وفعل ذلك من أجل ربه وخالقه ( فقد فصم النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) علاقته بقريش في سبيل الإسلام ) ( 1 ) . علاوة على ما ذكر فإن من بين جميع الموجودات الحية ، حين تتعرض حياة أي واحدا أو مجموعة منها إلى الخطر ، نراها تضطر إلى ترك مكان تواجدها والهجرة منه إلى مأوى وملجأ أمن آخر ، والكثير من أبناء البشر الأقدمين عمدوا إلى الهجرة من مكان ولادتهم - بسبب تغير الظروف الجغرافية فيه - إلى نقاط أخرى من العالم من أجل مواصلة الحياة ، وليس البشر وحدهم الذين مارسوا الهجرة ، بل هناك من بين الحيوانات أنواع كثيرة عرفت بالحيوانات المهاجرة ، مثل الطيور التي تضطر أحيانا إلى الدوران حول الأرض تقريبا من أجل إيجاد مأوى تواصل فيه حياتها ، وبعض هذه الطيور تهاجر من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي ، وأحيانا تقطع مسافة حوالي ( 18 ) ألف كيلومتر للوصول إلى المكان الذي تريد العيش فيه . وهذه الشواهد هي خير دليل على أن الهجرة هي إحدى القوانين الخالدة للحياة ، فهل يصح أن يكون الإنسان أقل حظا من الحيوان في هذا المجال ؟ وحين تتعرض ، حياته المعنوية ، وكيانه وأهدافه المقدسة التي هي أثمن وأغلى من حياته المادية إلى الخطر ، فهل يستطيع هذا الإنسان البقاء في مكان الخطر متشبثا بالأرض والمولد وغير ذلك متحملا ألوان الذل والإهانة والحرمان وسلب الحريات ، والأهم من ذلك كله زوال أهدافه التي يعيش من أجلها ؟ ! أو أن عليه أن يختار قانون الطبيعة في الهجرة ، ويترك ذلك المكان ، ويختار مكانا آخر يتيسر فيه المجال لنموه المادي والمعنوي ؟
--> 1 - محمد خاتم الأنبياء ، الجزء الأول .